علي بن زيد البيهقي

510

تاريخ بيهق

حكاية : يحكى أن ملكا كان يعيش في ملكه وولايته بالسعادة والفرح والدعة ، لم يلحق عدو أي ضرر بملكه ، ولم تؤثر عين حاسد في محله الرفيع ، وفي ليلة كان الجو فيها باردا ، انتثر فيها الكافور على العالم ، فعادت الأرض بيضاء كالمرآة الشامية وابيضّت مفارق رؤوس الجبال ، فأثّر فيها الهرم ، لبست المساكن والمواطن لباس الحواصل ، وتعرّت الأشجار من الأوراق ، وأصبحت حرارة النار حبيبة الحيوانات ، واستعار ظلام الليل سواده من القار وجناح الغراب وذوائب [ 289 ] الشباب وثياب المفجوعين ومداد الورّاقين ، ولما غلب النوم على ذلك الملك ، رأى في منامه نفسه وحيدا في بيداء مقفرة لا ملجأ فيها ، ثم إن أسدا حمل عليه بغتة ، ففر منه إلى جبل ، فلما وصله رأى منه واديا فيه بئر ، ولأن الأسد صار قريبا منه ، ولخوفه منه ، ألقى بنفسه في البئر ، ثم إنه لهول ذلك الحلم أفاق من منامه قلقا كالحبة في المقلاة الحارة ، وانحدرت دموع عينيه على وجهه : كأن فجاج الأرض حلقة خاتم * عليه فلا تزداد طولا ولا عرضا « 1 » فجاء الوحي إلى نبي ذلك الزمان أن اذهب إلى فلان الملك وحذّره وقل له : إن وفود إحساني تصل إليك متواترة ، وقد قوّيت قلبك بعوني ومواهبي وتوفيقي ووهبتك العزاء ، فلم الأنين ؟ ولم الجزع ؟ لقد كنت قدمت إليك بالوعيد ، فلماذا يشكو المسافر الذي وجد الجو صافيا وشعاع قمر الليلة الرابعة عشرة ؟ ولم يضيق قلب الظمآن الذي بلغ الماء الزلال ؟ لقد رأيت من وعيدي الكرم الذي كان على تلك السماحة ، والملك الذي سدّ طريق زواله ، وانقطعت عنك أنفاس وساوس الشياطين ، ووجدت بضاعة الحلم الذي رأيته قيمتها التامة في سوق التحذير ، فلم أودع لك في

--> ( 1 ) من مقطعة في الأغاني ( 2 / 84 ) لمجنون بني عامر قيس بن الملوح ؛ وفي ثمار القلوب ( ص 630 ) بلا عزو .